ابن حجر العسقلاني

26

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

لَا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ " ، هُوَ كَمَا قَالَ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ زَيْدٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْهُ

--> = [ ب ] قوله تعالى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } [ الطلاق : 2 ] . وجه الدلالة : أن الله - عز وجل - خير الأزواج بين الإمساك بمعروف ، والفراق بمعروف ، فمن لم يتيسر له الأول تعين عليه الثاني ، ولا شك أن المعسر الذي لا يجد ما ينفقه على زوجته ، لا يستطيع الإمساك بمعروف ، فحينئذ يتعين عليه الفراق بمعروف ، فإن لم يفعل ثبت للزوجة حق المطالبة به ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } . [ وأورد عليه ] أن الآية ، وما ماثلها لا انطباق لها على المعسر ؛ فإن المقصود منها إحسان العشرة ؛ فيما يدخل تحت قدرته واختياره ، والمعسر لا بد له في الإعسار ، فإمساكه لا ينافي الإمساك بالمعروف ، وقد مر جوابه . وأما السنة ، فأحاديث ، فمنها : [ أ ] ما رواه أحمدم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول " فقيل : من أعول يا رسول الله ؟ قال : " امرأتك ممن تعول : تقول : اطعمني ، وإلا فارقني ، جاريتك تقول : اطعمني ، واستعملني ، ولدك يقول : إلى من تتركني " ، ورواه النسائي من طريق محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة وفيه أيضاً : " فقيل : من أعول يا رسول الله ؟ قال : " امرأتك تقول : اطعمني وإلا فارقني " ورواه الدارقطني بلفظ : " قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اليد العليا خير من اليد السفلى ، ويبدأ أحدكم بمن يعول : تقول المرأة أطعمني أو طلقني . . . الحديث " . ورواه أيضاً بلفظ : " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " المرأة تقول لزوجها أطعمني أو طلقني الحديث " . وجه الدلال : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل للمرأة طلب الفراق عند الامتناع عن الإنفاق . [ وأورد عليه أولاً ] : أن قوله : " تقول المرأة : أطعمني وإلا فارقني " ليس من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل هو من قول أبي هريرة ، فنسبته للرسول صريحاً في هذه الأحاديث من قبيل الوهم والاشتباه ، وإذا لم يكن من قول الرسول ، لم يكن حجة ، ويدل على هذا ، أن البخاري روى الحديث ، وليس في وسطه سؤال ، وذكر في آخره ، فقالوا : يا أبا هريرة ، سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : لا . . . هذا من كيس أبي هريرة ا . ه - . فقول : هذا من كيس أبي هريرة " إما بكسر الكاف ، ومعناه من حاصله ، وهو إشارة إلى أنه استنباطه مما فهمه من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وابدأ بمن تعول " مع تطبيقه على ما هو واقع . وإما بفتح الكاف ، ومعناه من فطنته ، وعلى كل هو دليل على أن عجز الحديث ليس من كلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وروى الإسماعيلي الحديث بسند حديث البخاري ، وفي وسطه : " فقال أبو هريرة : تقول امرأتك إلخ " ، وفي آخره : " قالوا يا أبا هريرة ، شيء تقوله من رأيك ، أو من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : " هذا من كيسي " فهذه الرواية صريحة في أن هذا من كلام أبي هريرة ؛ وروى النسائي رواية غير السابقة من نفس الطريق السابق ، وهو طريق محمد بن عجلان عن أبي صالح عن أبي هريرة ، وفيها : " فسئل أبو هريرة : من تعول يا أبا هريرة ؟ فدلت هذه الرواية بمعونة ما سبق ، على أن الرواية السابقة للنسائي ، وما ماثلها من قبيل الوهم ، ثم حديث الدارقطني بروايتيه السابقتين إنما هو من طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ، وفي حفظ عاصم شيء ، فلا يحتج به . [ ولك أن تجيب ] لو تأملنا جلياً لم نحكم بالوهم على هذه الروايات ، بل نجمع بينها ، وبين الأخرى فنقول : إن هذا من قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد ذكر أبو هريرة الحديث مرة تفصيلاً ، وفيه أن =